ابن كثير
257
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ ، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 46 ] ، وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون السام عليكم ، والسام هو الموت ، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم ب « وعليكم » ، وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا . والغرض أن اللّه تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا ، فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ . وقال الإمام أحمد « 1 » : أخبرنا أبو النضر أخبرنا عبد الرحمن بن ثابت أخبرنا حسان بن عطية ، عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللّه وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم » . وروى أبو داود « 2 » عن عثمان بن أبي شيبة عن أبي شيبة عن أبي النضير هاشم أخبرنا ابن القاسم به « من تشبه بقوم فهو منهم » ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها . وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبي أخبرنا نعيم بن حماد أخبرنا عبد اللّه بن المبارك أخبرنا مسعر عن معن وعون أو أحدهما أن رجلا أتى عبد اللّه بن مسعود فقال : اعهد إلي ، فقال : إذا سمعت اللّه يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه . وقال الأعمش عن خيثمة قال : ما تقرؤون في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فإنه في التوراة يا أيها المساكين . وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس راعِنا أي أرعنا سمعك . وقال الضحاك : عن ابن عباس يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا قال : كانوا يقولون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أرعنا سمعك وإنما راعنا كقولك عاطنا . وقال ابن أبي حاتم وروي عن أبي العالية وأبي مالك والربيع بن أنس ، وعطية العوفي وقتادة نحو ذلك ، وقال مجاهد : لا تَقُولُوا راعِنا لا تقولوا خلافا ، وفي رواية لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك . وقال عطاء لا تقولوا راعِنا ، كانت لغة تقولها الأنصار « 3 » ، فنهى اللّه عنها ، وقال الحسن : لا تَقُولُوا راعِنا ، قال : الراعن من القول السخري منه ، نهاهم اللّه أن يسخروا من قول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما يدعوهم إليه من الإسلام . وكذا روي عن ابن جريج ، أنه قال مثله ، وقال أبو صخر :
--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 2 ص 50 ) ( 2 ) سنن أبي داوود ( لباس باب 4 ) ( 3 ) في الطبري « تقولها الأنصار في الجاهلية » . والأخبار الواردة هذا في تفسير « راعنا » ذكرها الطبري في تفسيره 1 / 514 - 517 .